"
إن هناك البعض يضعون حداً فاصلاً بين الحياة الزمنية للمؤمن والحياة من جانبها الروحي. بل إن البعض يرى أنه لا داعي مطلقاً للطموح في تحقيق نجاح زمني وذلك لأنها أمور وقتية وزائلة وعلينا فقط الاهتمام بما هو روحي. على أننا لا نرى في كلمة الله تعارضاً بين هذا وذاك.
وحول هذه الأفكار وغيرها يدور موضوعنا والذي نخص به الشباب المسيحي المؤمن بصفة خاصة عن الطموح والنجاح لتكون لنا الدراية الصحيحة بفكر الله في المسيحية من جهة هذا الموضوع الذي يشغل حيزاً ليس بقليل في عقول الكثيرين من الشباب والذي قد يمثل أمام بعضهم صراعاً فكرياً في بداية معترك الحياة الزمنية وذلك لصيانة عقول وقلوب الشباب من المؤمنين من التأثر بما يجري حولهم في عالم اصطبغ فيه كل شيء بالمادية والاستقلال عن الله.
وسنطرح بعض الأسئلة التي تتعلق بمعظم جوانب هذا الموضوع والتي من خلال الإجابة عليها نرجو أن نصل معاً لفهم هذا الموضوع فهماً صحيحاً.
س: هل ممكن أن نضع تحديداً لمعنى الطموح بصفة عامة؟
ج : + إن كلمة الطموح في معناها اللغوي هو "التطلع الدائم للأحسن والأفضل لتحقيق الغرض والنجاح المنشود".
+ كما أنه يوجد معنى آخر يحدد معنى الطموح: "وهو الهدف الذي يضعه الشخص أمامه في مجال من المجالات بما له قيمة ونفع بالنسبة له وللآخرين فيسعى الشخص الطموح بالوسائل المشروعة والعوامل المساعدة على تحقيق هذا الهدف وهذا الغرض".
س: يقول الرسول بولس في رسالة فيلبي 11:4 «قد تعلمت أن أكون مكتفياً بما أنا فيه» وفي تيموثاوس الأولى 8:6 «مكتوب فإن كان لنا قوت وكسوة، فلنكتف بهما». ألا تمثِّل هذه الأقوال تعارضاً مع الطموح؟
ج : + إن كلمة الله، كما سنفهم، لا تتعارض مع الطموح بل تتعارض وتحذِّر من الطمع. وعندما نفهم النصوص السابقة فهماً صحيحاً حسب موقع كل منها في كلمة الله سنجد توافقاً وانسجاماً، لا تعارضاً واختلافاً.
أولاً، بالنسبة للآية الأولى نفهم أن الرسول بولس قد تدرب على التكيف مع ظروفه المعيشية الخاصة والتي اتصفت في أحيان كثيرة بالعوز والاحتياج مثلما أورد لنا في كورنثوس الثانية 27:11 حيث الجوع والعطش والأصوام الكثيرة وفي عدم وجود الملبس الواقي من البرد في أحيانٍ أخرى. فقد تدرب الرسول بولس لما هو موافق لدعوته الرسولية، حيث أنه تعب وعانى أكثر من جميع الرسل. فقد تدرب على الرضا والقناعة والشكر في مثل هذه الظروف إذ قد استمد الرسول بولس القوة داخلياً من المسيح. تلك القوة التي جعلته في تلك الظروف مستقلاً تماماً عن الوسط الخارجي المحيط به. فما كان ممكناً أن يطمح الرسول في أي نجاح زمني وهو المدعو من الرب لترك عمله الزمني الذي مارسه قليلاً أثناء خدمته، وذلك بغرض التفرغ الكامل لنشر إنجيل المسيح. وبناء على ذلك يجب على كل منا التصرف في حياته طبقاً لما هو موافق لدعوته وقصد الله من جهته.
+ أما من جهة القول الوارد في تيموثاوس الأولى 8:6 نفهم من النص إجمالاً أن غرض الرسول بولس هو التحذير ضد الرغبة في أن يكون الثراء المادي والغنى الزمني هو هدف في حياة المؤمن المسيحي. وكأني بالرسول يقول أن يكتفي الفلاح بعمله في الحقل طالما يوفر له القوت والكسوة، وكذلك الموظف في مصلحته .. الخ. وفي هذا نرى سياسة الله لحياة كل منا. وعلى كل منا أن يقنع بذلك. والحذر من أن يكون الغنى والثراء هو هدف الحياة (1تي 9:6) لأنه إذا أصبح الغنى هدفاً في حياة المسيحي فيا لهول النتائج المترتبة على ذلك كما أوردها الرسول بولس في تيموثاوس الأولى 9:6،10 وهذا يختلف عن مفهوم الطموح كما أسلفنا القول.
س: ألا توجد بعض المبادئ التي تحدد لنا ملامح الطموح الصحيح لكي يكون الطموح قانونياً (إن جاز لنا التعبير)؟
ج : لا شك أن الفكر المسيحي في كلمة الله يمكن أن يحدد لنا مثل هذه الملامح وسنورد البعض منها في ثلاثة مبادئ هامة:
أولا: أهمية التحرك والتصرف طبقاً لفهمنا لدعوة الرب وخطته لحياة كل منا في ذلك التوقيت. وبمعنى آخر يجب أن أعرف ماذا يريد لي الرب في الوقت الحاضر لأعمله وأتممه في أي مجال من مجالات الحياة روحياً أو زمنياً.
ثانياً: إن المؤمن يجب أن يتحرك طبقاً للإمكانيات التي أودعها الله فيه سواء كانت إمكانيات عقلية أو طاقات معينة أو مهارات مكتسبة فكل هذه الإمكانيات أو المهارات يقصد بها الرب توجيه دفة الحياة في ذلك الطريق أو تلك حسبما خلقنا الله. فالله لا ينتظر أن تكون الإمكانيات التي أودعها فينا بحكمته عاطلة أو عديمة الفائدة.
ثالثاً: يجب أن يدرك الشخص أن أبواب النجاح هي في يد الرب. قد ينجح حولنا الكثيرون بقوتهم الذاتية والسير في طرق غير مشروعة للإيمان المسيحي إلا أن الإيمان يدرك ما قاله نحميا: «إله السماء يعطينا النجاح». فإن نجاح المؤمن يعول وينسب للرب الذي كان مع كل الأتقياء عبر التاريخ الذين نجحوا نجاحاً متميزاً في مجالاتهم وكانوا متميزين من الوجه الآخر في حياتهم الروحية حيث نجد تقواهم وشهادتهم وخدمتهم أيضاً مثل يوسف ودانيال وغيرهم.
س: هل هناك فرق واضح بين الطموح ومحبة العالم؟
ج : بلا شك هناك فارق كبير بين الطموح ومحبة العالم والتي تتعارض تماماً مع كلمة الله. ولذلك من المهم أن نفهم معنى محبة العالم والأشياء التي في العالم ليكون لدينا التمييز بين الطموح ومحبة العالم التي يحذرنا منها الكتاب.

  • ما هي محبة العالم؟؟

إن محبة المؤمن للعالم والتي يحذر منها الكتاب المقدس تتبلور في اعتناق المؤمن لقيم العالم ومبادئه ونظرياته وسلوكياته، واتخاذها منهجاً لحياته عوضاً عن اتخاذ كلمة الله دستوراً وحيداً للحياة. فالمقصود بالعالم هو عالم البشر في استقلالهم عن الله والمسيح وكلمته الصادقة، إذ لهم أفكارهم ومبادؤهم وأعمالهم الخاصة كنمط لسلوكياتهم وحياتهم. ومحبة المؤمن للعالم تعني "صداقته للعالم" أي اتباع طرقه ومبادئه وبالتالي يكون المؤمن قد انحدر إلى مستوى العالم وهذا ما يحذرنا منه الكتاب المقدس بأن لا نحب العالم، أي لا نتكيف معه في طرقه ومبادئه.
  • ما هي الأشياء التي في العالم؟؟

لقد حددها الكتاب في ثلاث عبارات علينا أن نفهمها معاً:
  1. شهوة الجسد. وهي ترينا الإنسان الذي يعيش تحت سيطرة الحواس والرغائب الإنسانية، مما يجعله لا يعطي أهمية أو تقدير للأمور الإلهية أو الروحية، إذ لا يجد الشخص أهمية لهذه الأمور. وتنصب اهتماماته في إشباع رغائبه ومتطلباته وتصبح هذه الرغائب والمتطلبات هي إلهه الحقيقي وسيده الفعلي الذي يسود عليه.
  2. شهوة العيون. وهي تصف لنا الروح التي تسعى لحب الامتلاك. امتلاك كل ما تقع عليه العين حتى لو لم يكن في مقدور الشخص الحصول عليه. وإذا ما امتلك الشخص هذه الأشياء أو بعضها، تصبح موضوع افتخاره بل ويرى فيها تحقيقاً لسعادته، أو يرى أن السعادة تكمن فيما امتلكه أو حققه من إنجازات. فهذه هي شهوة العيون. كما قال الجامعة: «ومهما اشتهته عيناي لم أمسكه عنهما». إلا أن النظرة الصحيحة للمسيحي ترى في المسيح مصدراً للفرح والافتخار، ومعه لا يريد شيئاً في الأرض.
  3. تعظّم المعيشة. إن تعظّم المعيشة كلمة تعني في أصلها الافتخار الكاذب. فما معنى ذلك؟ معناه أن الإنسان الذي يحيا حياة الافتخار الكاذب يدعي امتلاك أشياء لا يمتلكها في الحقيقة. مثل ادعاء امتلاك الحكمة أو الذكاء أو القوة أو المال أو المواهب. كما أن هذا الشخص يعتقد أيضاً أنه ذو أهمية بحيث لا يمكن الاستغناء عنه. فالمتعظِّم يرسم لنفسه صورة أكبر بكثير من حقيقته أو صورة غير حقيقية بالمرة ويحاول إقناع نفسه والآخرين بها.

هذا هو العالم والأشياء التي فيه. والمؤمن الروحي هو ذلك الشخص الذي يعيش على أُسس وحقائق روحية وأبدية ويقينية، أما العالم فسيمضي وشهوته

WARNING
تحـــذير: هــذا مــوضــوع قــديــم جـــدا
هذا الموضوع اقدم من 120 يوم. المعلومات المتضمنة في هذا الموضوع قد تكون قديمة
الروابط قد تكون منتهية او معطوبة , قد لا تظهر الصور نتيجة انتهائها ايضا
اذا كانت الروابط لا تعمل من فضلك ابلغ الادارة عن طريق الضغط هنا واعلامنا بان الروابط لا تعمل