التواضع- البعد عن الرئاسات



* الإنسان المتواضع لا يسعى وراء المناصب والرئاسات. بل في حكمة يهرب منها. وقد نبغ في ذلك كثير من آباء الرهبنة ومنهم القديس بينوفيوس الذي عرفنا قصته من يوحنا كاسيان مؤسس الرهبنة في فرنسا.

كان القديس بينوفيوس رئيسًا على دير يضم أكثر من مائتى راهبًا في منطقة البرلس. وكان متضعًا جدًا ومُهابًا، وله مكانة عند الكثيرين.

إذ كانوا يحبونه بسبب قداسته وحياته الفاضلة، ولمواهبه العظيمة التي منحه الله إياها وأيضًا بسبب كهنوته، ولآنه شيخ وقور.

جلس هذا القديس ذات يوم إلى نفسه وقال: ماذا تكون نتيجة هذا الوضع الذي أنا فيه؟ كل يوم مديح وكرامة واحترام وتوقير!! إننى أخاف أن يقول لي الرب في اليوم الأخير "إنك استوفيت خيراتك على الأرض" (لو16: 25). فأين منى الطريق الضيق والكرب الذي أوصى به الرب، وقال إنه المؤدى إلى الحياة (مت7: 14). وأين منى قول الكتاب: "إنه بضيقات كثيرة ينبغى أن ندخل ملكوت الله" (أع14: 22)؟ وهوذا أنا رجل متمتع باحترام وتوقير وكرامة ورئاسة!

لذلك هرب القديس بينوفيوس ذات يوم من الدير دون أن يشعر به أحد.


وتنكر في زى علمانى، وسار جنوبًا حتى وصل إلى أحد اديرة القدس باخوميوس في إسنا وطرق الباب طالبًا أن يقبلوه في الدير. فنظروا إليه متعجبين من أمر هذا الشيخ الذي أتى ليترهب! وقالوا له "هل أتيت بعد أن شبعت من العالم، وشبع العالم منك؟! أتريد أن تأخذ مظهر القداسة في أواخر أيامك؟ إنك لا تصلح، فارحل عنا".

فألح القديس بينوفيوس عليهم فرفضوا. وقالوا له "أنت رجل شيخ، ولا تحتمل الرهبنة وجهاداتها" , فظل يلح عليهم وهم يرفضونه. ووقف عند الباب مدة على الرغم من رفضهم، دون اكل أو شرب. فلما رأوا احتماله وصبره، أدخلوه الدير على شرط الا يُرسم راهبًا، ويكون في زى العلمانيين يخدم في الدير. وأسندوا إليه مساعدة الراهب الشاب المسئول عن حديقة الدير ليكون كصبى عنده. فلم يمانع. وكان الشاب يوجه إليه أوامر يعمل بها، فكان مطيعًا له وخاضعًا.

وتحول القديس الذي كان يحترمه الناس ويطيعونه إلى تلميذ. وكانت هذه أمنيته أن تتغير حياته، ويكون خاضعًا لغيره بدلًا من خضوع الغير له.

وكان معلمه الشاب شديدًا عليه جدًا. يريد أن يربى الشيخ تربية صحيحة، لأن الرهبنة ليست كسلًا! وصار القديس يطيعه طاعة كاملة، وينفذ أوامره بكل دقة، لا يجادل ولا يناقش. وسار على هذا المبدأ مدة وسرَ به الشاب.

وأيضًا كان يقوم في ساعة متأخرة من الليل -والرهبان نيام- ويعمل الأعمال التي يشمئز منها الآخرون لقذارتها. فاذا ما استيقظوا في الصباح، يجدون كل شيء قد تم دون أن يعرفوا من الفاعل، فيبتهجون ويباركون الرب من أجل ذلك. أما هو فكان مسرور بهذا العمل. وظل على هذا الطقس ثلاث سنوات وهو يقول "أشكرك يا رب من أجل عطاياك ونعمك العظيمة، إذ خلصتنى من الاحترام والتوقير، ونقلتنى إلى حياة الطاعة والخضوع".

حدث بعد ذلك أن أتى لزيارة هذا الدير راهب من أديرة البرلس.

ورأى القديس بينوفيوس يحمل السباخ ويضعه حول الشجر. فشك في الأمر ولم يصدق أنه هو! وأخيرًا سمعه يرتل المزامير بصوته المعهود، فعرفه وسجد له، وكشف أمره للرهبان. فأخذوه بمجد عظيم وأعادوه إلى ديره.

وبعد ذلك هرب أيضًا إلى بيت لحم، وعمل خادمًا في قلاية يوحنا كاسيان.

وتصادف أن ذهب راهب آخر إلى زيارة الأراضي المقدسة، فرآه وعرفه. وأعادوه مرة ثانية باحترام إلى ديره. وزاره يوحنا كاسيان عند مجيئه إلى مصر، وكتب عنه في مؤلفاته أنه مثل حى للهروب من الرئاسات..

فالذى يريد أن يخلص من مديح الناس والكرامة، عليه أن يهرب من محبة الرئاسات والمناصب.. لأنه إن نجح في تلك المناصب، تشعره بانه قد صار موضعًا للكرامة. وإن فشل فيها، وقع في دينونة عظيمة.


* إن أحلام الرئاسة تعب داخلى:

لآنه أحيانًا يخلو الإنسان إلى نفسه. وفي أحلام اليقظة يتصور أنه في مركز هام، وأنه يعمل ويعمل.. وتدور في ذهنه مشروعات كبيرة وأمور خطيرة. ويظن انه لو أعطى السلطان، لسوف يعمل ما لم يستطع غيره أن يعمله!

وهذه تخيلات المجد الباطل، وكبريائه موجودة في الداخل تشعر الإنسان بانه يستطيع الشئ الكثير. وقد يسمح الله أن تسند إلى هذا الشخص مسئولية، فيفشل فيها ليعرف مدى ضعفه.


ذهب أحد الشيوخ ليزور راهبًا شابًا في قلايته الخاصة. وعندما همَ بقرع الباب، سمع صوتًا في الداخل، فانتظر قليلًا حتى لا يعطل الراهب الشاب. فسمعه يعظ من الداخل. فانتظره حتى انتهى من العظة وصرف الموعوظين قائلًا "أمضوا بسلام". ثم قرع الباب، وفتح الراهب الشاب، وفوجئ بالشيخ أمامه. فخجل وفكر ما عسى أن يقول عنه الشيخ إذا كان قد سمعه يعظ بمفرده دون موعوظين! فقال "إنى آسف يا أبانا، لئلا تكون قد جئت من زمن وتعطلت على الباب" فابتسم الشيخ وقال له "جئت يابنى وأنت تصرف الموعوظين"، وعرف الشيخ أن هذا الراهب مُحارب بالمجد الباطل، إذ يتصور أنه قد صار معلمًا وواعظًا..

فاحذر أن تتخيل أنك قد صرت رئيسًا أو قائدًا أو مشيرًا. قل لنفسك إنك لم تصل إلى هذا المستوى بعد. ويكفى أن تكون أمينًا للوضع الذي أنت فيه.

* إن الرئاسات ضارة لغير الناضجين:

قال القديس أوروسيوس احد خلفاء القديس باخوميوس الكبير:

"إن الرئاسة مضرة للأشخاص الذين لم ينضجوا بعد" وضرب مثلًا لذلك فقال: "إذا أحضرت لبنة لم تحترق بعد بالنار وألقيتها في الماء، فانها تذوب. أما إذا احترقت بالنار، فإن ألقيت في الماء، فإنها تبقى وتشتد".

كذلك الشخص الذي يصل إلى الرئاسة قبل ان ينضج، وقبلما يُمحص بالنار، أي باختبارات الحياة، وقبلما تزول منه محبة المجد الباطل، فإنه مُعرض للهلاك. كذلك مساكين هم الذين يخضعون لرئيس محب للمجد الباطل. فإنه يضيع نفسه، ويضيع الناس معه، بسبب المجد الذي يطلبه منهم.
WARNING
تحـــذير: هــذا مــوضــوع قــديــم جـــدا
هذا الموضوع اقدم من 120 يوم. المعلومات المتضمنة في هذا الموضوع قد تكون قديمة
الروابط قد تكون منتهية او معطوبة , قد لا تظهر الصور نتيجة انتهائها ايضا
اذا كانت الروابط لا تعمل من فضلك ابلغ الادارة عن طريق الضغط هنا واعلامنا بان الروابط لا تعمل